نعم. في 16 أيار/مايو 1948، ذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” بأن “جامعة الدول العربية ” قد اتخذت سلسلة من التدابير لتهميش واضطهاد السكان اليهود في الدول العربية الأعضاء في “الجامعة العربية”. وأوردت مقالة «التايمز» نص “قانون صاغته اللجنة السياسية لجامعة الدول العربية يهدف إلى تنظيم الوضع القانوني للسكان اليهود في دول الجامعة العربية. وينص على أنه ابتداء من تاريخ غير محدد سوف يعتبر جميع اليهود — باستثناء مواطني الدول غير العربية — كـ ‘أعضاء الأقلية اليهودية في دولة فلسطين.’ وسيتم تجميد حساباتهم المصرفية واستخدامها لتمويل مقاومة ‘الطموحات الصهيونية في فلسطين’. وسوف يتم اعتقال أولئك اليهود الذين يعتقد أنهم صهاينة نشطين ووضعهم تحت الإقامة الجبرية ومصادرة أصولهم.”
وأضافت مقالة الـ “تايمز” ما يلي:

 ”وبالفعل هناك ميل في بعض الدول الإسلامية مثل سوريا ولبنان إلى اعتبار جميع اليهود وكلاء صهاينة و ‘طابور خامس ‘. وكانت هناك حوادث عنيفة تحمل مشاعر متأججة. وهناك دلائل على أنه يتم تهيئة الساحة لمأساة ذات أبعاد لا تحصى.”
“وفي سوريا، هناك سياسة من التمييز الاقتصادي سار ية المفعول ضد اليهود. فقد تم فصل ‘جميع’ الموظفين اليهود في الخدمة المدنية ‘تقريباً’ عن مناصبهم في الحكومة السورية. كما تم ‘عملياً إلغاء’ حرية تنقلهم. وقد أنشئت مراكز حدودية خاصة لمراقبة تحركات اليهود.
“وفي العراق لم يسمح لأي يهودي بمغادرة البلاد ما لم يودع 5،000 باون استرليني ($20,000) مع الحكومة لضمان عودته. ولم يسمح لأي يهودي أجنبي بدخول العراق حتى خلال التنقل والسفر.
“وفي لبنان تم إجبار اليهود على المساهمة مالياً في النضال ضد قرار التقسيم الذي أصدرته الأمم المتحدة بشأن فلسطين. وقد اعترفت الصحافة علناً بقيام ​​أعمال عنف ضد اليهود واتهمتهم بـ ‘تسميم الآبار’ ، إلخ.
“وتختلف الأوضاع في البلدان الإسلامية. فهي الأسوأ في اليمن وأفغانستان، حيث فر العديد من اليهود في رعب إلى الهند. وقد تدهورت الأوضاع في معظم البلدان في الأشهر الأخيرة، وهذا صحيح بشكل خاص في لبنان وإيران ومصر. أما الظروف في البلدان التي هي أكثر بعداً إلى الغرب على ساحل البحر المتوسط، فليست سيئة للغاية. ولكن يخشى أنه إذا اندلعت حرب شاملة، فستكون العواقب وخيمة لليهود على طول الطريق من الدار البيضاء إلى كراتشي.”
وتتطرق مقالة “التايمز” أيضاً إلى:

 ”التصريحات التي أدلى بها المتحدثون العرب خلال دورة الجمعية العامة في الخريف الماضي، ومفادها أنه إذا وضع قرار التقسيم حيز التنفيذ، فإنهم لن يكونوا قادرين على ضمان سلامة اليهود في أي أرض عربية.”
و في أيلول/سبتمبر 1995، نُشر المقتطف التالي من [مقالة] “لماذا فرّ اليهود من الدول العربية،” بقلم يعقوب ميرون، في مجلة “ذي ميدل إيست كوورترلي”، (لقراءة المقالة بكاملها باللغة الانكليزية، انقر هنا) يستطلع فيها الكاتب طبيعة تلك التصريحات التي أدلى بها مندوبي مصر وفلسطين والعراق لدى الأمم المتحدة أثناء مناقشة قرار التقسيم.
في خطابه الرئيسي أمام “اللجنة السياسية للجمعية العامة للأمم المتحدة” في 14 تشرين الثاني/نوفمبر 1947، أي قبل خمسة أيام فقط من تصويت تلك الهيئة على خطة تقسيم فلسطين، أدلى المندوب المصري هيكل باشا، بالبيان الرئيسي التالي حول تلك الخطة :
لا ينبغي أن تغفل الأمم المتحدة. . . عن حقيقة أن الحل المقترح قد يعرّض مليون يهودي يعيشون في البلدان الإسلامية إلى الخطر. إن تقسيم فلسطين قد يخلق في تلك البلدان مشاعر معادية للسامية بحيث سيكون من الصعب جداً القضاء عليها وسيكون ذلك أكثر تعقيداً من استئصال معاداة السامية التي كان الحلفاء يحاولون إزالتها في ألمانيا. . . وإذا ما قررت الأمم المتحدة تقسيم فلسطين، فقد تكون مسؤولة عن المذبحة التي سيذهب ضحيتها عدد كبير من اليهود.
ثم أسهب هيكل باشا في تهديده:

هيكل

يعيش مليون يهودي في سلام في مصر [وبلدان مسلمة أخرى] ويتمتعون بكافة حقوق المواطنة. وليست لديهم رغبة في الهجرة إلى فلسطين. ومع ذلك، فإذا ما تم إقامة دولة يهودية، لا يمكن لأحد أن يمنع قيام اضطرابات. سوف تندلع أعمال شغب في فلسطين، وتنتشر في جميع الدول العربية ويمكن أن تؤدي إلى حرب بين عرقين. [5] ولم تمر تهديدات هيكل باشا المستترة في ذلك الوقت حول وقوع “اضطرابات خطيرة”، و”مجزرة”، و “أعمال شغب”، و “حرب بين عرقين” من دون أن يلاحظها اليهود؛ [6] فبالنسبة لهم، كان لها نفس الرنين الذي جاء في الاقتراح الذي قُدم من قبل الزعيم الفلسطيني الحاج أمين الحسيني لهتلر قبل ذلك بست سنوات حول “الحل النهائي” لليهود من الدول العربية، التي تشمل فلسطين أيضاً (انظر أعلاه). ولكن يبدو أن البيان لم يُبق انطباع دائم، لدرجة أن أحد المؤرخين عن اليهود في مصر وصف هيكل باشا بأنه “ليبرالي معروف”. [7] ويجدر بالذكر بصفة خاصة أنه على الرغم من أن هيكل باشا قد تحدث من على منبر الأمم المتحدة بصفته ممثلاً لمصر، إلا أنه استمر في ذكر اليهود “في البلدان المسلمة الأخرى” و “جميع الدول العربية”، ملمحاً الى وجود مستوى من التنسيق بين الحكومات العربية. وفي الواقع، وبعد أربعة أيام من خطابه، أعلن وزير الخارجية العراقي فاضل الجمالي في الأمم المتحدة بأن “الكراهية والتعصب بين الأديان” سيترتب عليها حدوث تدهور كبير في العلاقات بين العرب واليهود في العراق والعالم العربي بشكل عام، [8] مما يعزز الانطباع بأن هيكل باشا كان يتحدث ليس فقط باسم مصر بل باسم جميع الدول العربية المستقلة أيضاً. وجاء تأكيد آخر بعد عدة أيام، عقب قرار الجمعية العامة بالتصويت لصالح تقسيم فلسطين، عندما، “تنفيذاً لأوامر صادرة من قبل جامعة الدول العربية،” [9] شارك المسلمون في الاعتداء على اليهود الذين كانوا يعيشون في عدن وحلب. [10] وقد جاء المؤشر الآخر بأن الحكام العرب قد نسّقوا فيما بينهم حول طرد اليهود من أراضيهم، خلال اجتماع عقد في بيروت بعد عام ونصف من ذلك شارك فيه كبار الدبلوماسيين من جميع الدول العربية. وبحلول ذلك الوقت — آذار/مارس 1949 — كانت الدول العربية قد خسرت بالفعل أول حرب بين العرب وإسرائيل؛ وقد بدأت الآن تستخدم تلك الهزيمة لتبرير عملية الطرد والترحيل التي كان قد أُعلن عنها رسمياً حتى قبل بدء الحرب. وكما ورد في صحيفة سورية، “إذا ما عارضت إسرائيل عودة اللاجئين العرب إلى ديارهم، فسوف تقوم الحكومات العربية بطرد اليهود الذين يعيشون في بلدانهم”. [11] ووفقاً لوليد الخالدي، الذي ربما يعتبر أبرز مؤرخ وطني فلسطيني ومصدر يحظى بسمعة طيبة للغاية، “صمد العرب (الفلسطينيين) خلال الفترة من تشرين الثاني/نوفمبر 1947 إلى آذار/مارس 1948. وحتى 1 آذار/مارس، لم يتم إخلاء ولو قرية عربية واحدة من سكانها، كما أن عدد الأشخاص الذين غادروا المدن المختلطة كان ضئيلاً “[12] ولم يبدأ الرحيل الجماعي للسكان العرب الفلسطينيين الذين بلغ عددهم ـ 590,000 شخص إلا في نيسان/أبريل 1948؛ ومع ذلك، كان هيكل باشا قد أعلن بصورة علنية، ورسمية للغاية عن برنامج لطرد اليهود من الدول العربية قبل ذلك بخمسة أشهر كاملة.